حسن الأمين

195

مستدركات أعيان الشيعة

الفرار وتركوا ذخائرهم وأسلحتهم غنيمة لنادر . وقدر الكاتب الفرنسي « أوتر » عدد الجيش الأفغاني في هذه المعركة بخمسين ألفا وقدر « هانوي » ( 1 ) عدد الجيش الإيراني بخمسة وعشرين ألفا ، وقدر « كوكل » وكيل « شركة الهند الشرقية » الإنكليزية في إيران على عهد نادر ، عدد القتلى باثني عشر ألفا من الأفاغنة وأربعة آلاف من الإيرانيين . وأراد الإيرانيون تعقب المنهزمين فمنعهم نادر إذ لم تكن لهم فائدة في تعقبهم . وبعد بضعة أيام بعث طهماسب ونادر برسول إلى القسطنطينية ليطلب من العثمانيين الجلاء عن الولايات الإيرانية التي احتلوها . ولكن الرسول توفي في تبريز قبل وصوله . ثم تابعا طريقهما إلى « سمنان » . وفي مسيرهما هذا ذكر نادر طهماسب بما سلف بينهما من وقائع مرة كدرت صفو العلاقة بينهما . وتراجع « أشرف » عن « سمنان » إلى « ورامين » . وفي نواحي « سمنان » دارت معركة بين نادر وجيش أفغاني كان قادما من طهران لنجدة « أشرف » نجى فيها نادر جيشه من كمين مخيف . وكان عملا رائعا دل على شدة تيقظه وتبصره في الأمور وبراعة تكتيكه العسكري . وانتهت المعركة بفوز الإيرانيين وفرار الأفاغنة ، وذلك في 21 ربيع الأول سنة 1142 ه‍ . وتتبع نادر الأفاغنة إلى « ورامين » حيث يقيم « أشرف » فلم يجد هذا بدا من الفرار بقواته إلى أصفهان . وقبل أن يتابع نادر سيره إلى أصفهان كف يد طهماسب عن العمل وبعث به إلى طهران ، وكان الأفاغنة قد جلوا عنها . أما « أشرف » فإنه ، بعد أن وصل إلى أصفهان منهزما ، قام فيها باعمال بلغت غاية الوحشية . فقد قتل حوالي ثلاثة آلاف من العلماء والأعيان ، وأمر رجاله بالإغارة عليها بالسلب والنهب وإحراق الأسواق ، واعتقل موظفي الشركات الإنكليزية والهولندية المقيمين فيها وسجنهم خشية أن يساعدوا نادرا ، وظلوا مسجونين سبعة عشر يوما إذ سهل لهم الحراس سبيل الفرار . وكان أحمد باشا والي بغداد العثماني قد أرسل إلى « أشرف » الغلجائي ، بناء على طلب منه ، مددا من الرجال والمدافع . ثم غادر « أشرف » أصفهان مع قواته وعسكر في ناحية « مورشه خورت » في الغرب الشمالي من أصفهان . وأما نادر فتابع سيره إلى أصفهان حتى وصل إلى معسكر الأفاغنة فهاجمه ونشبت معركة رهيبة بلغت إلى القتال بالسلاح الأبيض وقام فيها الأفاغنة بحملات شديدة . ولكن الدائرة دارت عليهم في النهاية ، ففر « أشرف » بمن بقي من جنوده عائدا إلى أصفهان ، وترك أسلحته وكثيرا من الأسرى في يد نادر ، وكان بين الأسرى جماعة من العثمانيين فعاملهم نادر بالحسنى ثم أطلق سراحهم . ولما وصل « أشرف » إلى أصفهان سارع إلى تهيئة وسائل الفرار وصادر كل ما في المدينة من الدواب ليحمل عليها النساء والأطفال وذخائره من الجواهر والأموال . وقبل فراره قتل الشاه حسين الصفوي ، وكان سجينا في قصره . ودخل نادر أصفهان ظافرا في الثاني والعشرين من ربيع الثاني سنة 1142 ه‍ . وشرع أول شيء بتطهير المدينة من آثار الأفاغنة . وأمر بهدم البناء الذي أقيم على قبر محمود الغلجائي الأفغاني وجعل مكانه مزبلة . ثم أبلغ نبا انتصاره إلى « طهماسب » ودعاه إلى أصفهان ، فعاد إليها في الثامن من جمادى الأولى سنة 1142 ه‍ ، بعد غيبة طالت مدة ثماني سنوات تقريبا ، واستعاد لنفسه منصب أبيه وأجداده . ولكنه وجد قصر أبيه خربا . ولم يجد أحدا من نساء القصر سوى امرأة واحدة تلقته واحتضنته فرحانة مستبشرة ، وإذا به يتبين أن هذه العجوز هي أمه ، وكانت قد نجت من الأفاغنة بان جعلت من نفسها خادمة فلم يفطنوا إليها . وبهذا سلمت من الموت . وكانت أصفهان كلها قد أصبحت خرابا وغاب عنها أكثر سكانها ما بين قتيل وهارب . ولما بلغ خبر انكسار أشرف إلى الأفاغنة المقيمين في « كرمان » عمدوا إلى تخريبها ثم فروا منها . إلا أنه كان لهذه الانتصارات المتوالية أثر معنوي بالغ في نفوس الإيرانيين ، إذ ارتفعت معنوياتهم وعادت إليهم ثقتهم بأنفسهم . تحرير شيراز وبعد أن استراح نادر وجنده وهيا ما يلزم لمتابعة الهجوم سار في أقسى أيام البرد إلى شيراز لتعقب « أشرف » في الثالث من جمادى الثانية سنة 1142 ه‍ . فتلقاه « أشرف » بعشرين ألف مقاتل من خيرة المقاتلين . ودارت بين الفريقين معركة هائلة ، استبسل فيها « أشرف » وأظهر خبرة عسكرية فائقة ، ولكن الدائرة دارت عليه فعجز عن متابعة المقاومة . وبلغت خسائره من الرجال أكثر من خمسة آلاف بين قتيل وجريح وأسير . عندئذ بعث إلى معسكر نادر بثلاثة سفراء من كبار رجاله يلتمسون منه وقف الحرب ، فأجابهم نادر إلى طلبهم بشرط أن يطلق « أشرف » سراح من بقي حيا من أسرة الشاه حسين ومعهم سائر الأسرى والمعتقلين الإيرانيين . فأجابه « أشرف » إلى طلبه وأرسل إليه جميع هؤلاء ولكنه رفض تسليم نفسه إلى نادر . وحرضه قواده على أن يفر بمن بقي من رجاله إلى « قندهار » ففعل . وعلم نادر بذلك فانطلق إلى تعقبه فأدركه عند جسر « فسا » قريبا من شيراز ، فأمر مقدمته من الفرسان وعددهم خمسمائة فارس بالهجوم على مؤخرة جيش « أشرف » وعدتهم خمسة آلاف ونيف ، ووقعت بينهما معركة أسر الإيرانيون فيها جماعة منهم وغرق آخرون في النهر وقتل « بير محمد خان » شيخ محمود الغلجائي وأشرف ومرشدهما ، وسملوا عيون جماعة من قوادهم . فعاد « أشرف » يطلب مصالحة نادر . فقبل بشرط أن يسلم « أشرف » نفسه إليه ، فرفض « أشرف » وفر متوجها إلى « لار » في جنوب إيران . مقتل أشرف ونهاية الأفاغنة وظل نادر في شيراز ، ومنها عمم على جميع النواحي أن تغلق كل المدن الإيرانية أبوابها في وجه الأفاغنة . وأراد الأفاغنة أن يستعينوا بالعرب المقيمين في موانئ الخليج على الهرب بالبحر إلى بلدان الخليج العربية ، ولكن نادرا أمر موظفي « شركة الهند الشرقية » بالامتناع عن حمل الهاربين على سفنهم ، وأنذر الشيوخ الذين في المرافىء بان يوقعهم هم وعائلاتهم في الأسر والعبودية إذا ساعدوا الأفاغنة على الهرب . وأراد أخ لأشرف ، وكان يحمل كثيرا من

--> ( 1 ) تاجر انكليزي سكن إيران في عهد نادر شاه من سنة 1156 هإلى سنة 1161 هوألف كتابا نفيسا في تاريخ نادر .